فصل: لطائف التفسير:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روائع البيان في تفسير آيات الأحكام



.المعنى الإجمالي:

يقول الله جل ثناؤه ما معناه: ما كان من شأن المؤمن ولا ينبغي له أن يقدم على قتل مؤمنٍ، إلا إذا وقع هذا القتل خطأ، فإذا حصل ووقع القتل بطريق الخطأ، فعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة، ودية مسلّمة إلى أهل القتيل تدفعها عاقلته، إلاّ إذا عفوا عنه وأسقطوا الدية باختيارهم فلا تجب حينئذٍ، وإذا كان المقتول مؤمناً وأهله من أعدائهم فالواجب على قاتله عتق رقبة مؤمنة، ولا تجب الدية لأهله لأنهم أعداء محاربون، فلا يعطون من أموال المسلمين ما يستعينون به على قتالهم وأما إذا كان المقتول معاهداً أو ذمياً، فالواجب في قتله كالواجب في قتل المؤمن، دية مسلّمة إلى أهله تكون عوضاً عن حقهم، وعتق رقبة مؤمنة كفارة عن حق الله تعالى، فمن لم يجد الرقبة التي يحررها فعليه صوم شهرين قمريين متتابعين، توبة من الله على عباده المذنبين وكان الله عليماً بما يصلح الناس حكيماً في تشريعه.
ثم بين تعالى حكم قتل المؤمن عمداً، وغلّظ في العقوبة لأن جرمه عظيم، ولم يذكر له كفارة بل جعل عقابه أشد عقاب توعّد به الكافرين، وهو الخلود في جهنم، واستحقاق غضب الله ولعنته، عدا العذاب الشديد الذي أعده الله له يوم القيامة. وقد ختم الله هذه الآيات الكريمة بأمر المؤمنين إذا خرجوا مجاهدين في سبيل الله أن يتثبتوا في قتل من أشكل عليهم أمره، فلم يعلموا هل هو مسلم أم كافر؟ فلا يقدموا على قتله إلا بعد التحقق من كفره، وأمّا إذا استسلم وأظهر الإسلام فلا يحل قتله، طمعاً في متاع الدنيا الزائل، وقد ذكّرهم بأنهم كانوا مشركين كفاراً فمنّ الله عليهم بالهداية إلى الإسلام، وكفى بها نعمة!!

.سبب النزول:

1- روي أن (عيّاش بن أبي ربيعة)- وكان أخاً لأبي جهل من أمه- أسلم وهاجر خوفاً من قومه إلى المدينة، فأقسمت أمه ألا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه (الحارث بن يزيد) فأتياه، فقال أبو جهل: أليس محمد يأمرك بصلة الرحم؟ انصرف وأحسن إلى أمك وأنت على دينك، فرجع فلما دنوا من مكة قيّدوا يديه ورجليه، وجلده أبو جهل مائة جلدة، وجلده الحارث مائة أخرى، فقال للحارث: هذا أخي فمن أنت؟ لله عليّ إن وجدتك خالياً أن أقتلك، فلما دخل على أمه حلفت ألا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول، ففعل ثم هاجر بعد ذلك. وأسلم الحارث بن يزيد وهو لا يعلم بإسلامه، فلقيه عياش خالياً فقتله، فلما أُخبر أنه كان مسلماً ندم على فعله، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قتلته ولم أشعر بإسلامه فنزلت هذه الآية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً}.
ب- وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «مرّ رجل من بني سليم ينفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنماً له فسلّم عليهم، فقالوا: ما سلّم علينا إلاّ ليتعوذ منا، فعمدوا له فقتلوه وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ...}».

.وجوه القراءات:

1- قرأ الجمهور: {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ}، وقرأ حمزة والكسائي: {فتثبتوا} بالثاء.
2- قرأ الجمهور: {لِمَنْ ألقى إِلَيْكُمُ السلام} بفتح السين مع الألف، وقرأ نافع وحمزة {السّلم} من غير ألف.
3- قرأ الجمهور: {لَسْتَ مُؤْمِناً} بكسر الميم الثانية وقرأ عكرمة {لست مُؤمناً} بفتح الميم من الأمَان.

.وجوه الإعراب:

أولاً: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً...} أن يقتل في محل رفع اسم كان، ولمؤمن خبره وقوله: {إلاّ خطأً} استثناء منقطع والمعنى: لكن إن قتل خطأً فحكمه كذا، ومثّل له الطبري بقول الشاعر:
من البيضِ لم تَظْعنْ بعيداً ولم تَطَأْ ** على الأرض إلاّ ريط بُرْد مُرحّل

ثانياً قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً} خطأً صفة لمفعول مطلق محذوف تقديره قتلاً خطأً، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال تقديره: قتله خاطئاً.
ثالثاً: قوله تعالى: {تَوْبَةً مِّنَ الله} توبة مفعول لأجله أي شرع لكم ذلك توبة منه.
رابعاً: قوله تعالى: {لَسْتَ مُؤْمِناً} مؤمناً خبر ليس والجملة مقول القول، وجملة (تبتغون عرض الحياة) في محل نصب على الحال من فاعل تقولوا أي لا تقولوا ذلك مبتغين عرض الحياة.

.لطائف التفسير:

اللطيفة الأولى: النفي في مثل هذا الموطن يسمى (نفي الشأن) وهو أبلغ من نفي الفعل كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله} [الأحزاب: 53] وقوله: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله} [التوبة: 17] فهو استبعاد للفعل بطريق البرهان كأنه يقول: ليس من شأن المؤمن من حيث هو مؤمن أن يقتل أحداً من أهل الإيمان، إذ لا يتصور أن يصدر منه مثل هذا العفل لأن إيمانه- وهو الحاكم على تصرفه وإرادته- يمنعه من اجتراح القتل عمداً، ولكنه قد يقع منه ذلك خطأً.
اللطيفة الثانية: في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} مجاز مرسل علاقته (الجزئية) أطلق الرقبة وقصد به المملوك من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل كقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88] وهو مجاز مشهور.
اللطيفة الثالثة: التعبير بهذا الأسلوب اللطيف {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} وتسمية العفو بالصدقة، فيه حثٌ على فضيلة العفو، وتنبيه الأولياء إلى أنّ عفوهم عن القاتل، وعدم أخذ الدية هو في نفسه صدقة وهو من مكارم الأخلاق التي يرغب فيها الإسلام.
اللطيفة الرابعة: وردت عقوبة قتل المؤمن عمداً في غاية التغليظ والتشديد {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} فقد حكمت الآية على القاتل بعقوبات ثلاث:
1- الخلود في جهنم.
2- واستحقاق الغضب واللعنة.
3- والعذاب الشديد الذي أعده الله له في الآخرة، ولهذا جاء في الحديث الشريف: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مؤمن» وفي الحديث أيضاً: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيسٌ من رحمة الله» ولهذا أفتى ابن عباس بعدم قبول توبة القاتل.
قال صاحب (الكشاف): والعجب من قوم يقرؤون هذه الآية ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس يمنع التوبة، ثم يطمعون في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبةٍ {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} [محمد: 24]؟
اللطيفة الخامسة: الخلود في جهنم لقاتل المؤمن محمول على من استحلّ قتله، أو المراد بالخلود طول المكث لأن أهل اللغة استعملوا لفظ الخلود بمعنى طول المدة والبقاء قال زهير:
ألا لا أرى على الحوادث باقياً ** ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا

والعرب تقول: خلّد الله ملكه، وتقول: لأخلدّن فلاناً في السجن، مع أنه لا شيء في الدنيا يدوم.

.الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: ما هي أنواع القتل، وفي أيها تجب الكفارة؟
أوجب الله تعالى (القصاص) في القتل في آية البقرة {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} [البقرة: 178] وأوجب (الدية والكفارة) في القتل الخطأ في الآية التي معنا، فيعلم أنّ الذي وجب فيه القصاص هو القتل العمد لا الخطأ.
ذهب مالك رحمه الله إلى أن القتل إمّا عمد، وإمّا خطأ، ولا ثالث لهما، لأنه إما أن يقصد القتل فيكون عمداً، أو لا يقصده فيكون خطأ، وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ.
وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن القتل على ثلاثة أقسام (عمد، وخطأ، وشبه عمد).
أما العمد: فهو أن يقصد قتله بما يفضي إلى الموت كسيفٍ، أو سكين، أو سلاح، فهذا عمد يجب فيه القود (القصاص) لأنه تعمد قتله بشيء يقتل في الغالب.
وأما الخطأ: فهو ضربان: أحدهما: أن يقصد رمي المشرك أو الطائر فيصيب مسلماً.
والثاني: أن يظنه مشركاً بأن كان عليه شعار الكفار فيقتله، والأول خطأ في الفعل والثاني خطأ في القصد.
وأما شبه العمد: فهو أن يضربه بعصا خفيفة لا تقتل غالباً فيموت فيه، أو يلطمه بيده، أو يضربه بحجر صغير فيموت، فهذا خطأ في القتل وإن كان عمداً في الضرب.
قال القرطبي: وممن أثبت شبه العمد الشعبي، والثوري، وأهل العراق، والشافعي، وروينا ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما وهو الصحيح، فإن الدماء أحق ما احتيط لها إذ الأصل صيانتها، فلا تستباح إلاّ بأمر بيّن لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال لأنه لما كان متردداً بين العمد والخطأ حكم له بشبه العمد، فالضرب مقصود، والقتل غير مقصود، فيسقط القَود وتغلّظ الدية، وبمثل هذا جاءت السنة، روى أبو داود من حديث (عبد الله بن عمرو) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها».
حجة الجمهور:
وحجة الجمهور في إثبات (شبه العمد) أن النيات مغيبة عنا لا اطلاع لنا عليها، وإنما الحكم بما ظهر، فمن ضرب آخر بآلة تقتل غالباً حكمنا بأنه عامد، لأن الغالب أن من يضرب بآلة تقتل يكون قصده القتل، ومن قصد ضرب رجل بآلة لا تقتل غالباً كان متردّداً بين العمد والخطأ، فأطلقنا عليه شبه العمد، وهذا بالنسبة إلينا إلا بالنسبة إلى الواقع ونفس الأمر، إذ هو في الواقع إمّا عمد، وإمّا خطأ، وقد أشبه العمد من جهة قصد الضرب، وأشبه الخطأ من جهة أن الآلة لا تقتل غالباً، ولما لم يكن عمداً محضاً سقط القود، ولما لم يكن خطأ محضاً لأن الضرب مقصود بالفعل دون القتل وجبت فيه دية مغلّظة.
واستدلوا بالحديث السابق وبما رواه أحمد، وأبو داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال: «ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه الدية مغلّظة..» الحديث. الحكم الثاني: ما هو القتل العمد، وما هي عقوبته؟
القتل العمد يوجب القصاص، والحرمان من الميراث، والإثم وهذا باتفاق الفقهاء، أما الكفارة فقد أوجبها الشافعي ومالك، وقال أبو حنيفة لا كفارة عليه وهو مذهب الثوري.
قال الشافعي: إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب في العمد أولى.
وقال أبو حنيفة: لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله تعالى، وحيث لم تذكر في العمد فلا كفارة.
قال ابن المنذر: وما قاله أبو حنيفة به نقول، لأن الكفارات عبادات وليس يجوز لأحد أن يفرض فرضاً يلزمه عباد الله إلا بكتابٍ، أو سنة، أو إجماع، وليس مع من فرض على القاتل عمداً كفارةً حجةٌ من حيث ذكرت.
وقد اختلفوا في معنى العمد وشبه العمد على أقوال كثيرة أشهرها ثلاثة:
1- العمد ما كان بسلاح أو ما يجري مجراه مثل الذبح، أو بكل شيء محدّد أو بالنار وما سوى ذلك من القتل بالعصا أو بحجر صغيراً كان أو كبيراً فهو شبه العمد، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله.
2- العمد كل قتلٍ من قاتل قاصد للفعل بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك، بما يقتل مثله في العادة، وشبه العمد ما لا يقتل مثله، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
3- العمد ما كان عمداً في الضرب، والقتل، وشبه العمد ما كان عمداً في الضرب، خطأ في القتل أي ما كان ضرباً لم يقصد به القتل وهذا قول الشافعي رحمه الله.
الترجيح: ما ذهب إليه (أبو حنيفة) رحمه الله من جعل كل قتلٍ بغير الحديد شبه عمد ضعيفٌ، فإن من ضرب رأس إنسان بمثل (حجر الرحى) قتله وادّعى أنه ليس عامداً كان مكابراً، والمصلحة تقضي بالقصاص في مثله، لأن الله شرع القصاص صوناً للأرواح عن الإهدار، وما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد الشافعي هو الأصح والله أعلم.
الحكم الثالث: ما هي شروط الرقبة وعلى مَن تجب؟
أوجب الله في القتل الخطأ أمرين: 1- عتق رقبة مؤمنة. ب- ودية مسلّمة إلى أهله.
فأما الرقبة المؤمنة فقد قال ابن عباس والحسن: لا تجزئ الرقبة إلاّ إذا صامت وصلّت.
وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: يجزئ الغلام والصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً.
ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله روايتان إحداهما تجزئ، والأخرى لا تجزئ إلا إذا صامت وصلت.
حجة الأولين: أن الله تعالى شرط الإيمان، فلا بدّ من تحققه، والصبي لم يتحقق منه ذلك.
وحجة الجمهور: أن الله تعالى قال: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً} فيدخل فيه الصبي، فكذلك يدخل ف قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}.
قال ابن كثير: والجمهور أنه متى كان مسلماً صح عتقه عن الكفارة سواءً كان صغيراً أو كبيراً.
وقد اتفق الفقهاء على أن الرقبة على القاتل، وأما الدية فهي على العاقلة.
الحكم الرابع: على مَن تجب الدية في القتل الخطأ؟
اتفق الفقهاء على أن الدية على عاقلة القاتل، تحملها عنه على طريق المواساة، وتلزم العاقلة في ثلاث سنين، كل سنة ثلثها، والعاقلة هم عصبته (قرابته من جهة أبيه).
قال في (المغني): ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن دية الخطأ على العاقلة.
وقال ابن كثير: وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل لا في ماله قال الشافعي: لم أعلم مخالفاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة، وهذا الذي أشار إليه رحمه الله قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في (الصحيحين)عن أبي هريرة قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها (غرة) عبدٌ أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها».
تنبيه: فإن قيل: كيف يجني الجاني وتؤخذ عاقلته بجريرته والله تعالى يقول: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} [الأنعام: 164] ويقول: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [الأنعام: 164]؟
فالجواب: أن هذا ليس من باب تحميل الرجل وزر غيره، لأن الدية على القاتل، وتحميل (العاقلة) إيّاها من باب المعاونة والمواساة له، وقد كان هذا معروفاً عند العرب وكانوا يعدونه من مكارم الأخلاق، والنبي صلى الله عليه وسلم بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، والمعاونة والمواساة والتناصر وتحمل المغارم، كل هذا ممّا يقوّي الألفة ويزيد في المحبة فلذلك أقره الإسلام.
الحكم الخامس: كم هو مقدار الدية في العمد والخطأ؟
اتفق العلماء على أن الدية في الخطأ تجب على العاقلة، وهي مائة من الإبل تؤخذ نجوماً على ثلاث سنين وتجب أخماساً لما رواه ابن مسعود قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكوراً، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة.
وأما دية شبه العمد فهي مثلّثة (أربعون خلفة، وثلاثون حقة، وثلاثون جذعة) وتجب على العاقلة أيضاً، وأما دية العمد فما اصطلح عليه عند أبي حنيفة ومالك على المشهور في قوله، وأما عند الشافعي فكدية شبه العمد، وتجب على مال القاتل.
قال القرطبي: أجمع العلماء على أن العاقلة لا تحمل دية العمد، وأنها في مال الجاني.
وقال ابن الجوزي: والدية للنفس ستة أبدال: من الذهب ألف دينار، ومن الورق (الفضة) اثنا عشر ألف درهم، ومن الإبل مائة، ومن البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة، وفي الحلل مائتا حلة، فهذه دية الذكر الحر المسلم، ودية الحرة المسلمة على النصف من ذلك.
وهذا قول جمهور الفقهاء ووافقهم أبو حنيفة في ذلك إلا أنه قال في الفضة عشر آلاف درهم لا تزيد.
الحكم السادس: هل للقاتل عمداً توبة؟
ذهب بعض العلماء إلى أن قاتل المؤمن عمداً لا توبة له وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما.
روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقالت: نزلت هذه الآية: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} هي آخر ما نزل وما نسخها شيء.
وروى النسائي عنه قال: سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟ قال: لا، وقرأت عليه الآية التي في [الفرقان: 68] {والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ} قال: هذه آية مكية نسختها آية مدنية: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ}.
وروى ابن جرير بسنده عن (سالم بن أبي الجعد) قال: كنا عند ابن عباس بعد ما كُفّ بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً؟ فقال جزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه، وأعدّ له عذاباً عظيماً. قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى؟ فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «يجيء يوم القيامة معلّقاً رأسُه بإحدى يديه- إما بيمينه أو بشماله- آخذاً صاحبه بيده الأخرى، تشخب أوداجه حيال عرش الرحمن يقول: يا رب سل عبدك هذا علام قتلني؟ فما جاء نبيٌ بعد نبيكم، ولا نزل كتاب بعد كتابكم».
وذهب الجمهور إلى أن توبة القاتل عمداً مقبولة، واستدلوا على ذلك ببضعة أدلة نلخصها فيما يلي:
أولاً: إن الكفر أعظم من القتل العمد، فإذا قبلت التوبة عن الكفر فالتوبة عن القتل أولى بالقبول.
ثانياً: قوله تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48] يدخل فيه القتل وغيره.
ثالثاً: قوله تعالى: {وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق...} إلى قوله: {إِلاَّ مَن تَابَ} [الفرقان: 68-70] ويه نصٌ في الباب.
رابعاً: حديث الصحيحين: «بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق... ثم قال: فمن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه».
خامساً: حديث مسلم في الشخص الذي قتل مائة نفس.. إلخ.
قال العلامة الشوكاني: والحقّ أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص، بل هو مفتوح لكل من قصده ورام الدخول منه، وإذا كان الشرك وهو أعظم الذنوب وأشدها تمحوه التوبة إلى الله ويقبل من صاحبه الخروج منه والدخول في باب التوبة، فكيف بما دونه من المعاصي التي من جملتها القتل عمداً؟ والله أحكم الحاكمين، هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.